القرطبي
47
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
النهار . فإن قال قائل : الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا . فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته ، وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم ، قال الله عز وجل : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك " ( 1 ) : الثانية - دلت هذه الآية على أن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة ، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة . قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ) . وعن درة بنت أبي لهب قالت : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال : من خير الناس يا رسول الله ؟ قال : ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه ) . وفي التنزيل : " المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف " ثم قال : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ( 2 ) . فجعل تعالى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين ، فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورأسها الدعاء إلى الاسلام والقتال عليه . ثم إن الامر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه ، والتعزيز إلى رأيه ، والحبس والاطلاق له ، والنفي والتغريب ، فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة . قال الله تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " ( 3 ) . الثالثة - وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة ، خلافا للمبتدعة حيث تقول : لا يغيره إلا عدل . وهذا ساقط ، فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس . فإن تشبثوا بقوله تعالى : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " ( 4 ) وقوله : " كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " ( 5 ) ونحوه ، قيل لهم : إنما وقع الذم ها هنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر . ولا شك
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 397 . ( 2 ) راجع ج 8 ص 199 وص 202 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 72 ( 4 ) راجع ج 1 ص 364 . ( 5 ) ج 18 ص 81 .